الأمير أسامة بن منقذ

44

لباب الآداب

رأوه كثيرا هان عليهم ؛ كما أن الأسد يهابه كلّ من رآه ، إلّا الرعاة ، فإنهم من كثرة ما يرونه قد هان عليهم . وقيل : سلطان تخافه الرعيّة خير من سلطان يخافها ، وخير الملوك ما أشبه النّسر حوله الجيف ، لا ما أشبه الجيفة حولها النسور . وقال أبرويز لابنه : استكثر القليل مما تأخذ ، واستقلّ الكثير مما تعطي ؛ واعلم أن قرّة أعين الكرام في الإعطاء ، وقرة أعين اللئام في الأخذ . والملك إذا كان على رأس الكرماء فهو جدير أن يعطي ما وجد ، ويمتنع من الأخذ ما استطاع . وقال أيضا : املك الرعيّة بالإحسان إليها ، تظفر بالمحبّة منها ، فإنّ ذلك بإحسانك أدوم منه باعتسافك ، وليس الملك سلك الأبدان . واعلم أنّ الرعيّة إن قدرت أن تقول قدرت أن تفعل ، فاجتهد أن لا تقول تسلم من أن تفعل . وقال الحكيم : إذا تناصرت عليك الخصوم فلن يدفع ذلك غير اللّه سبحانه ، ثم عزم لا يشوبه وهن ، وصدق لا يطمع فيه التكذيب ، ومضاء لا يقارنه الشّكّ ، وصبر لا يختانه جزع ، ونيّة لا يتقسّمها عجز . وقال الحكيم : يجب على الملك الفاضل أن يحصّن عقله من العجب ، ووقاره من الكبر ، وعطاءه من السّرف ، وصرامته من العنف ، وحياءه من البلادة ، وحمله من التّهاون ، وإمضاءه من العجلة ، وعقوبته من الإفراط ، وعفوه من تعطيل الحقوق ، وصمته من العيّ ، واستئناسه من البذاء ، وخلواته من الإضاعة ، وعزماته من اللّجاجة ، وأناته من الملالة ، وفرحاته من البطر ، وروعاته من الاستسلام .